محمد غازي عرابي
1119
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة الحاقة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 1 إلى 5 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَاقَّةُ ( 1 ) مَا الْحَاقَّةُ ( 2 ) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ ( 3 ) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ ( 4 ) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ( 5 ) [ الحاقة : 1 ، 5 ] سمى سبحانه القيامة الحاقة من الحق ، وهي الحق ، والحق أحق بأن يتبع ، والعالم كله قائم بالحق ، ومن دون الحق لاحق ولا غير الحق ، فارفع الحق تجد القيامة قائمة ، وتجد العالم هباء منثورا ، وهو مشهد ربوبي تشهده المكاشفون ، ويشهدون أهوال يوم القيامة حيث لا وجود إلا اللّه ، ولهذا قالت الصوفية بالقيامة الصغرى والقيامة الكبرى ، وحقيقتهما واحدة ، وقلنا القيامة قائمة دائما وأبدا ولكن الناس في غفلة بل هم نائمون . [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 6 ] وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ( 6 ) [ الحاقة : 6 ] التفسير الظاهر هلاك عاد بالريح العاتية ، ومعلوم أن الأعاصير تفعل بالناس والطبيعة الأفاعيل ، فهي تجتاح فلا تبقي ولا تذر ، تقتلع الأشجار الضخمة ، وتدمر المنازل ، ويفر الناس منها فرارهم من موت محقق ، وقد جعل لهذه الأعاصير المراصد والمراكز لتخطر السكان بنشأتها وهبوبها ومسارها ، ومعلوم أيضا أن لهذه الأعاصير مواسم ، وأن لها ميقاتا وعمرا ، فإذا طال زمن الإعصار ، وذلك على رب الإعصار هين ، حدث ما حدث لقوم عاد الذين بدوا بعده أعجاز نخل خاوية ، وبطن الآية أن الريح الصرصر هي الريح الشديدة الصوت ، فالصرصر هنا مثل الصلصال الذي خلق منه الإنسان ، وقلنا الصلصال من الصلصلة أي الصوت ، فالعالم كله أصله صوت ، وهو قائم بالصوت ، والصوت جبريلي باطني ذاتي يحكم العالم ، وسميناه في كتابنا الإنسان الكامل المطاع ، وهو حقيقة النبي وجوهره ، والصوت موسيقى ، وفصلنا الكلام في الموسيقى ، وكونها تتألف من الأعداد العشرة المثاليات التي تحدث عنها الفيثاغوريون ، ومن تتبع سر الصلصلة والريح الصرصر علم يقينا ما صوته ، وما صوت نفسه ، وما نفسه ، وانتهى إلى الفناء حيث لا يبقى من الإنسان إلا هويته التي هي في اتحاد مع هوية الحق ، أو في اتحاد مع نفسها ، أو مع نفسه ، والنفس إلهية ، فالأنبياء والأولياء العارفون القيامة وأهوالها ، ولهذا خاطب الحق نبيه قائلا : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ( 5 ) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ [ المزمل : 5 ، 6 ] . [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 7 إلى 12 ] سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ( 7 ) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ( 8 ) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ ( 9 ) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً ( 10 ) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ ( 11 ) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ ( 12 )